فخر الدين الرازي
185
الأربعين في أصول الدين
بحادث آخر ، لا إلى أول . وهذا هو القول بوجود حوادث لا أول لها . وقد أبطلناه . واحتج المخالف على قوله بوجوه : الحجة الأولى : لا شك أنه تعالى مؤثر في وجود العالم . فكونه مؤثرا في العالم اما أن يكون لذاته ، أو لصفة قديمة أو لصفة محدثة . والقسم الثالث باطل . لأن تلك الصفة المحدثة . ان وقعت لا عن مؤثر ، لزم نفى الصانع . وان افتقرت إلى المؤثر ، لزم التسلسل . ولما بطل هذا القسم تعين أحد القسمين الأولين . وهو أن يكون كونه مؤثرا في العالم . اما لذاته واما الصفة قديمة . وإذا كانت هذه المؤثرية اما لأجل الذات واما لأجل الصفة القديمة بالذات ، لزم من دوام الذات ودوام تلك الصفة ، وجوب دوام تلك المؤثرية . إذ لو لم تجب لزم أن يحصل الأثر تارة ، وأن لا يحصل أخرى . فيكون تمييز احدى الحالتين عن الأخرى لا لمرجح . وهو محال . وإذا كانت تلك المؤثرية واجبة الثبوت ، ممتنعة الزوال ، كان موجبا بالذات ، لا فاعلا بالقدرة والاختيار . الحجة الثانية : القول بكون المؤثر قادرا ، يفضى إلى التناقض . فيكون القول به باطلا . انما قلنا : أنه يفضى إلى التناقض ، لأن كون قادرا على المقدور ، موقوف على تميز ذلك المقدور في نفسه عن الممتنعات ، لأنه لولا ذلك التميز ، لم تكن قدرته عليها أولى من قدرته على الممتنعات . وهذا يقتضي أن يكون تميز المقدور عن غيره سابقا على تعلق قدرة القادرية . وأيضا : المقدور هو الّذي يقع بتأثير القادر وتكوينه . وهذا يقتضي أن يكون تحقق ذات المقدور متأخرا عن تعلق قدرة القادرية . وإذا كان تحقق ذاته متأخرا عن تعلق قدرة القادرية ، كان تميزه عن غيره أولى بأن يكون متأخرا عن تحقق ذاته . لأن التميز حكم من أحكام ذاته ،